محمد بن جعفر الكتاني
89
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
يتصرف في أحدهم ! » ، يعني : لما خصوا به من الفضل العظيم . قال : « ولا يتصرف فيهم إلا أهل المحبة ؛ لأن المحبة لها شأن عظيم » . بويع له - رضي اللّه عنه - بالخلافة يوم توفي والده ، فسار بسيرته في العدل ، وقام بأعباء الدين وبالناس أحسن قيام ، وبسط الحق تعالى عليهم في زمانه ببركاته موائد الإفضال والإنعام ، وكان فاضلا أديبا ، سيدا شجاعا كريما ، سخيا حاكما في الناس بما حكم اللّه به عليهم ، لا يحابي أحدا ولا يفضل أحدا على أحد . أمه : حرة من أشراف نفزة . وصفته : أسمر اللون ، حسن القد ، شاب السن ، مليح الوجه ، أجعد الشعر . ولما ولي الخلافة ؛ قسم بلاد المغرب بين إخوته ، فولى كل واحد منهم ناحية ، وذلك برأي جدته السيدة كنزة أم أبيه ، وأقام هو بمدينة فاس دار ملكهم ، وقرار سلطانهم وعزمهم ، فأقاموا كلهم ملكهم ، وضبطوا ثغورهم وحكموا بلادهم ، وأمنوا سبلهم ، وحسنت سيرتهم . ولم يزل - رضي اللّه عنه - يسير بسير أبيه وجده ، ويتألف الناس بالعطايا ، ويحكم بينهم بالعدل وبكتاب اللّه وسنة نبيه ، إلى أن توفي بفاس بعد وفاة أخيه عمر بسبعة أشهر ، كما ذكره ابن خلدون وصاحب " الأنيس " وغيرهما ، وذلك في شهر ربيع الثاني سنة إحدى وعشرين ومائتين ، ودفن بشرقي جامع الشرفاء ، بإزاء أبيه وأخيه عمر ، كما ذكره غير واحد من المؤرخين . وفي شرح درة السلوك لابن القاضي : « توفي محمد بن إدريس بمدينة فاس ، ودفن بشرقي جامعها . مع أبيه وأخيه ، في شهر ربيع الثاني سنة إحدى وعشرين ومائتين ، فكانت أيامه بالمغرب ثمانية أعوام وشهرا واحدا [ 87 ] ، واستخلف ولده عليا في مرضه الذي توفي منه . . . » . ونحوه له في " الجذوة " . وخلف - رضي اللّه عنه - من الأولاد الذكور - على ما ذكر بعضهم أنه المعتمد - ستة ؛ وهم : علي - المدعو : حيدرة - جد العلميين ، ويحيى جد الكتانيين ، وأحمد جد الوداغير ، وإبراهيم وعبد اللّه والقاسم ، وأشار في " الدر النفيس " إلى أن ضريحه الآن غير معين ، كضريح أخيه عمر ، وذلك أنه بعد أن ذكر أنه : يستحب لزائر الضريح الإدريسي أن يستقبل وجهه المبارك بأن يقف فيما بين باب الودع إلى المحراب المعروف من الجامع ؛ قال ما نصه : « وهذا الأحب والأفضل عندي من دخول الجامع لأجل زيارة الإمام إدريس ، وأقل ضررا وأكثر نفعا ، وموجبه : أن الإمام محمد بن إدريس ، وعمر بن إدريس روي أنهما مدفونان في الجامع ولم يعين قبراهما ، وربما يكون هناك قبور أخرى من أولاد الإمام وحفدته ! » .